ابن عربي
193
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
السماع في ذلك ، يقول لنفسه : أنت من عالم الخليقة ونزلت إلى عالم الشهوة والطبع ، لكني أهفو إلى العلا بما فيّ من أصالته فيما بقي عليّ من أطمار ما كان كساني ذلك المجد عند الإشهار . قال : تفوح أرواح العلا في أخلاقهم عند التنزّلات لقرب مشاهدة المنزل الذي يجمعهم . والراكبان خاطران علويان مرّا به على حاله ، فسألهما الخبر عن المقام العالي الأنزه : هل روّضت قاعة الطبيعة ؟ وهل نزلت غيوث الحياة لساحتها ؟ فأنبتت ما يؤدي إلى البينونة من الكون والغيرة من ظهور الغير هنالك ، فأثبت له الحق الخاطر ، أن يكرمه على ما أخبر ، إلى أن نزل عليه روحه الخاص به الذي كني عنه بالنفس ، فعقل عنهما ما جاء به وأودعهما حديثه بلسان الحال من جري الدموع على مفارقة الأوطان والربوع . قوله : أم هل أبيت ، أي سترى عن ظلام الغيب ، ودار عند كل كاظمة من كظم غيظه خلقا جميلا ، وسمّار ذاك الحي سماري ، بالترداد بيني وبينهم بما يكون فيه علو مقامي وارتفاع شأني . ومن باب الفخر سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجلا ينشد : إني امرؤ حميريّ حين تنسبني * لا من ربيعة آبائي ولا مضر فقال : « ذلك الأمر لك أبعد من اللّه ورسوله » . ومرّ العباس بن عبد المطلب بنفر من قريش يقولون : إنما مثل محمد في أهله مثل نخلة نبتت في كناسة ، فبلغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فوجد منه ، فخرج حتى قام فيهم خطيبا ، ثم قال : « أيها الناس من أنا ؟ » ، قالوا : أنت رسول اللّه ، قال : « فأنا محمد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم ، إن اللّه تعالى خلق خلقه فجعلني من خير الفريقين ، ثم جعلهم شعوبا فجعلني من خيرهم شعبا ، ثم جعلهم بيوتا فجعلني من خيرهم بيتا ، فأنا خيركم بيتا ، وخيركم والدا ، وإني لمباه لكم . قم يا عباس » ، فقام عن يمينه ، ثم قال : « قم يا سعد » ، فقام عن يساره ، فقال : « فربّ لامرئ منكم عمّا مثل هذا وخالا مثل هذا » . ولبعضهم يفتخر : إذا مضر الحمراء كانت أرومتي * وقام بنصري حازم وابن حازم عطست بأنف شامخ وتناولت * يداي الثريا قاعدا غير قائم قلت : ولقد فخرت بأحسن من هذا فقلت :